مجمع البحوث الاسلامية

165

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

أولى بالذّكر ، لأنّ نقله من الأرض إلى السّماء من أعظم النّعم ، فدلّ على أنّ ذلك لم يحصل ؛ وذلك يوجب أنّ المراد من ( الجنّة ) الّتي قال اللّه : اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ليست في غير الدّنيا . ومنهم من قال : إنّ تلك الجنّة كانت في السّماء السّابعة ، والدّليل عليه قوله : اهْبِطُوا وهو قول الجبّائيّ . قالوا : « إنّ الإهباط الأوّل كان من السّماء السّابعة إلى السّماء الأولى ، والإهباط الثّاني كان من السّماء إلى الأرض » . ومنهم من قال : إنّ هذه الجنّة هي دار الثّواب ، بدليل أنّ الألف واللّام في لفظ ( الجنّة ) لا يفيدان العموم ، لأنّ سكون جميع الجنان محال ، فلا بدّ من صرفهما إلى المعهود السّابق إلى الفهم . والجنّة الّتي هي المعهود المعلوم بين المسلمين هي دار الثّواب ، فوجب صرف اللّفظ إليها وهو قول المفسّرين ، والحسن البصريّ ، وعمرو بن عبيدة ، وواصل بن عطاء وكثير من المعتزلة ، وأصحاب أبي الحسن الأشعريّ . وهو المختار عند الإمام الرّازيّ في تفسيره « الكبير » . ومنهم من قال : إنّ الكلّ ممكن ، والأدلّة النّقليّة ضعيفة ، ومع ضعفها متعارضة ، فوجب التّوقّف وترك القطع . ( 3 : 81 ) البروسويّ : [ نحو الشّربينيّ وأضاف : ] وفيه نظر ، لأنّ الهبوط قد يستعار للانتقال إذا ظهر امتناع حقيقته واستبعادها ، وهناك ليس كذلك . ( 1 : 106 ) رشيد رضا : قد اختلف علماء المسلمين من أهل السّنّة وغيرهم في ( الجنّة ) هل هي البستان أو المكان الّذي تظلّله الأشجار بحيث يستتر الدّاخل فيه ، كما يفهمه أهل اللّغة ؟ أم هي الدّار الموعود بها في الآخرة ؟ والمحقّقون من أهل السّنّة على الأوّل . قال الإمام أبو منصور الماتريديّ في تفسيره المسمّى ب « التّأويلات » : نعتقد أن هذه ( الجنّة ) بستان من البساتين أو غيضة من الغياض ، كان آدم وزوجه منعّمين فيها ، وليس علينا تعيينها ولا البحث عن مكانها ، وهذا هو مذهب السّلف ، ولا دليل لمن خاض في تعيين مكانها من أهل السّنّة وغيرهم . ( 1 : 276 ) مكارم الشّيرازيّ : يبدو أنّ الجنّة الّتي مكث فيها آدم قبل هبوطه إلى الأرض ، لم تكن الجنّة الّتي وعد بها المتّقون ، بل كانت من جنان الدّنيا ، وصقعا منعّما خلّابا من أصقاع الأرض ، ودليلنا على ذلك : أوّلا : الجنّة الموعودة في القيامة نعمة خالدة ، والقرآن ذكر مرارا خلودها ، فلا يمكن إذن الخروج منها . ثانيا : إبليس الملعون ليس له طريق للجنّة ، وليس لوسوسته مكان هناك . ثالثا : وردت عن أهل البيت عليهم السّلام روايات تصرّح بذلك ، منها : ما روي عن الإمام جعفر بن محمّد الصّادق عليهما السّلام أنّه سئل عن جنّة آدم ، فقال : « جنّة من جنّات الدّنيا ، يطلع فيها الشّمس والقمر ، ولو كان من جنان الآخرة ما خرج منها أبدا » . من هذا يتّضح أنّ هبوط آدم ونزوله إلى الأرض لم يكن مكانيّا بل مقاميّا ، أي أنّه هبط من مكانته السّامية ، ومن تلك الجنّة المزدانة .